العزلة الأنيقة

سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
العزلة الأنيقة *العنود سعيد* تنزوي في غرفتها المغلقة لساعات طويلة، ضوءً خافت يتسلل ببطء نحو العراء المكشوف من ذلك الشق الرفيع من الجدار ، تمارس طقوس عزلتها بصمت قاتل، يتبادر للأذهان أنها في مزاج سيئ فلا أحد يتجرأ على طرق ذلك الباب . ____ يمضي اليوم خاليًا من صوتها الذي إعتادُ عليه ، الجميع ينبثق إليهم ذلك الإحساس الذي يتغلغل في أعماق روحها حتى وإن لم يبدو لهم واضح التفاصيل. المنزل كئيب وكأن جدرانه هي الآخرى متضامنة مع صمت أمهم، ينتظرون بترقب متى يُفتح الباب ومتى تنتهي تلك العزلة. مضت الأيام تلو الأيام وكبرت مرجانة وهي واخواتها تحاول جاهدة أن لا تُحزن أمها لأنها تدرك تمام مدى الهشاشة التي ستلحق بقلوبهم من جراء تلك العزلة التي اعتادوها من أمهم بين الفينة والأخرى، تتبادر إلى أذهانهم العديد من التساؤلات والاستفهامات ، لكن الجواب بقي زمنًا طويلًا مجهولًا بالنسبة لهم. في الصباح تهرول مسرعة لتحضير القهوة العربية وبعض من حبات الرطب لوالدتها فهي تعلم جيدًا أنها قد أخذت وقتها الكافي من هذه العزلة التي لم تجرؤا بعد على سؤالها عن سببها لكنها ترى أمها تخرج بعدها امرأة آخرى مفعمة بالحيوية بعد أن أزالت تلك الشوائب العالقة في روحها، تبقى جالسة معها تشاطرها أحاديث الحياة وتروي لها بعض من القصص علها تدخل السعادة على قلبها، يقتلها الشغف لمعرفة دهاليز تلك العزلة التي تمارسها والداتها مع نفسها بعد كل خيبة تلحق بها. تسربل العمر ، رحلت الوالدة و مرجانة لم تتمكن من إماطة اللثام عن ذلك السر الغامض الذي كان يختبئ خلف تلك العزله. مع مرور الأيام تزوجت مرجانة وأصبح لديها أسرة وأطفال وحياة مستقلة، تزداد الضغوطات ، تحارب لوحدها في معارك الحياة، يقتلها ذلك الروتين اليومي الذي بداء يطغى على نظرتها المتفائلة للمستقبل ، في خضم تلك المسئوليات تحاول أن تختلس الفرصة من بين أروقة الحياة للبقاء في غرفتها بعيدًا عن ضجيج هذا العالم رغم محاولاته الهرب من أثقال تلك العزلة المخيفة التي كانت تمارسها أمها. أصبحت مرجانة تستمتع أكثر بالخلوة مع نفسها بالرغم من ذلك الشعور الدفين الذي يطبق على أنفاسها للهرب من شبح تلك العزلة القاتل ،شعورًا يصحبها للأمان ، يسلب من روحها كل مخاوف الحياة . أيقنت مرجانة في ذلك اليوم السر الكبير من وراء عزلة أمها التي كانت تعبر وجدانها ومشاعرها و تعود بها لماضيها الجميل وطفولتها البريئة وأحلام الصِّبا البعيدة ، تعود بها إلى نفسها القديمة التي ما زالت مدفونة بداخلها ،هناك إلى حيثُ الحياة التي كان التجاوز فيها مطلبا وفرضًا ، حينها أدركت مرجانة أن هذا العالم بأكمله لا يستطيع ان يُسكن روحها المتعبة بالأثقال أكثر من لذة تلك العزلة الأنيقة التي كانت تمارسها أمها مع نفسها لاكتشاف ذاتها والهرب من فوضى الحياة.


غاليه الحربي غاليه الحربي
المدير العام

المالكة ومدير عام ورئيس تحرير صحيفة شبكة الصحافة للنشر الالكتروني - مدير عام المنابر التعليمية والتربوية بالشبكة

0  419 0

الكلمات الدلالية

آخر المعجبين بالخبر

التعليقات


اكتب تعليقك هنا

اخبار مشابهة

اخبار مقترحة