الكاتب - أ.د محمد احمد بصنوي
حين نجلس لتفكيك المشهد الخليجي المعاصر، فإننا لا نتعامل مع أحداث آنية، بل مع سياقات تاريخية ممتدة وجيوسياسية بالغة التعقيد، تلعب فيها الجغرافيا دور البطل المطلق، ويتحكم فيها التاريخ بمسارات البشر والدول وحركة الثروات عبر العصور، وفي هذا الفضاء الممتد عبر صحاري الخليج وشواطئه الاستراتيجية، تتبدى لنا الحقائق عارية بعيداً عن الانفعال اللحظي، وبعيداً عن العواطف والمجاملات الدبلوماسية التي لا مكان لها على الإطلاق في حسابات السياسة الباردة وحسابات القوى العظمى.
إن ما تشهده المنطقة اليوم من خروج دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، أو اتخاذها مساراً منفرداً يُغرد خارج سرب الإجماع النفطي التقليدي، ليس مجرد مناورة تكتيكية عابرة لزيادة حصص إنتاجية بنسب مئوية محدودة، بل هو في عمقه الاستراتيجي "نقطة الانكشاف الكامل" لسيناريو مُحكم بدأت خيوطه تُغزل، وصيغت مقدماته على مهل منذ نحو عقدين من الزمن، عندما حركت أصابع قديمة وخفية قطع الشطرنج بدقة متناهية لاستدراج هذه الدولة الوليدة، ذات الوفرة المالية الهائلة، إلى مربع خُطط لها فيه بعناية لكي تلعب دوراً إقليمياً يتجاوز بمراحل حجمها الجغرافي وقدرتها الديموغرافية، وذلك عبر بوابات الموانئ والمناطق الحرة التي تحولت مع الوقت إلى مغناطيس عملاق جذب الاستثمارات والشركات العابرة للقارات، ليتحول عصب الاقتصاد الوطني الإماراتي تدريجياً وبشكل بنيوي إلى يد إدارات وشركات دولية عملاقة لا تملك أبوظبي سلطة القرار النهائي والسيادي عليها.
لدرجة أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة في الداخل الإماراتي خلال آخر عشر سنوات، منذ عام 2015 حتى 2025، بلغت حوالي 196.3 مليار دولار، أي ما يوازي 720.5 مليار درهم، بينما بلغ إجمالي الاستثمارات الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي 73.6 مليار دولار، لتصل حصة الإمارات إلى 62% من الاستثمار الأجنبي في دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، وفقاً لصحيفة البيان، مما يوضح مدى عمق تغلغل رأس المال العالمي وتأثيره المباشر وغير المباشر في صناعة القرار المحلي وتوجيهه نحو مسارات تخدم النظام المالي الدولي قبل أي شيء آخر.
وعندما يتشابك الاقتصاد المحلي لدولة ما بالكامل مع مصالح قوى خارجية مهيمنة، يصبح من البديهي والتلقائي في عالم السياسة أن تتبع المواقف السياسية خطى حركة المال، لتنخرط الدولة بناءً على ذلك في ملفات إقليمية وصراعات معقدة عبر أدوار وظيفية استنزفت قدراتها ومواردها لسنوات طوال، حيث تشير التقديرات الحسابية لتكلفة التدخلات العسكرية والسياسية والمساعدات المالية المباشرة وغير المباشرة في جبهات مشتعلة مثل اليمن والسودان وليبيا إلى استنزاف نقدي ضخم قُدِّر بمليارات الدولارات، دون تحقيق أي عوائد استراتيجية حقيقية تصب في مصلحة الأمن القومي العربي المشترك.
بل على العكس تماماً، تزامنت هذه المغامرات مع اندفاع دراماتيكي نحو "الاتفاقيات الإبراهيمية" التي حوّلت الدولة إلى عراب رئيسي لمحاولات دمج إسرائيل في نسيج المنطقة إقليمياً عبر قفزة هائلة في التبادل التجاري البيني والتعاون التكنولوجي والأمني الذي تخطى حاجز 3 مليارات دولار سنوياً، وفقاً لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، في مؤشر واضح على تحول البوصلة والوجهة الاستراتيجية للإمارات بالكامل بعيداً عن عمقها الطبيعي والتاريخي.
إن مغادرة "أوبك" أو التمرد المستمر على قراراتها ومستهدفاتها المشتركة تعني بالضرورة الخضوع التام، وبلا قيد أو شرط، لشروط السوق الحرة التي تتحكم فيها كارتلات المضاربات الغربية والبنوك العالمية في نيويورك ولندن ،ويتضح هذا الضغط العنيف عند النظر بتمعن إلى لغة الأرقام الصارمة التي لا تكذب ولا تجامل؛ فالإمارات تندفع اليوم بشكل محموم لتنفيذ خطة خماسية ضخمة ورأسمالية هائلة رصدت فيها شركة "أدنوك" استثمارات رأسمالية بلغت 150 مليار دولار بهدف تسريع وتيرة الإنتاج ورفع الطاقة الاستيعابية إلى 5 ملايين برميل يومياً، وفقاً لموقع العربية.
وهو اندفاع تمليه وتفرضه رغبة الشركات الغربية الكبرى مثل "إكسون موبيل" و"توتال" و"إيني"، التي تستحوذ على حصص امتيازات تاريخية وجديدة كبرى تصل إلى 40% في بعض الحقول البحرية والبرية الرئيسية، وتضغط بقوة لضخ أكبر كمية ممكنة من النفط في الأسواق بأسعار منخفضة ومواتية للدول الغربية الصناعية، وتفرضه أيضاً ضغوط خانقة لالتزامات الدين العام الإجمالي؛ حيث تكشف التقارير الدولية الصادرة عن وكالات التصنيف الائتماني أن ديون إمارة دبي والكيانات التابعة لحكومتها وحدها تجاوزت حاجز 140 مليار دولار، وفقاً لموقع حكومة دبي. وفي تقرير أخير، أشارت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني إلى أن سوق الدين الإماراتية تجاوزت 300 مليار دولار في عام 2024، مسجلةً نمواً بأكثر من 10% مقارنةً بالعام الذي سبقه، ما يعزز توقعات وصولها إلى 400 مليار دولار على المدى القريب، وفقاً لموقع العربية، مما يجعل السياسة النفطية الإماراتية برمتها رهينة لمتطلبات تسييل النقد الفوري السريع وسداد فوائد الديون المستحقة للمصارف العالمية، عوضاً عن الالتزام بمتطلبات التضامن الإقليمي والتوازن السعري الذي يحمي مصالح المنتجين.
إن الهدف الحقيقي والنهائي من عزل الإمارات في هذه الزاوية الضيقة واعتزالها طوعاً أو كرهاً مظلة العمل المشترك، هو تحويلها في نهاية المطاف إلى "حصان طروادة" يُستخدم لكسر تماسك منظمة "أوبك+" التي تقودها القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، بحيث يسهل على القوى الدولية وحلفائها استخدام حصة الإمارات الإنتاجية الكبيرة والوازنة، البالغة نحو 10% من إجمالي إنتاج منظمة أوبك، كأداة هدم من الداخل للضغط على أسعار النفط العالمية وإحداث تخمة معروض مصطنعة عند الحاجة.
وبالتالي تمرير أجندات سياسية واقتصادية خبيثة هدفها الأساسي كسر الإرادة السياسية وتجفيف المنابع المالية للدول التي تعتمد على عوائد الطاقة لتمويل استقلالها الوطني وبناء قوتها الذاتية، لتبدو الصورة الختامية والمشهد بأكمله كجزء لا يتجزأ من استراتيجية كبرى لتفكيك الكتلة العربية الواحدة، واستخدام الأطراف المكشوفة والمهتزة اقتصادياً لتنفيذ ما يريده الكبار في لعبة أمم شرسة لا ترحم أبداً من يفرط في أوراق قوته الجماعية وتحالفاته التاريخية مقابل سراب الوعود والحماية الفردية الزائفة.
وفي مقابل هذا المشهد المأزوم ومحاولات التغريد المنفرد خارج السرب، يبرز بكل ثقل واستحقاق الدور القيادي والتاريخي الذي تنهض به المملكة العربية السعودية، باعتبارها صمام الأمان الحقيقي وحجر الزاوية الذي يستند إليه الإستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
إننا هنا يجب أن نوجه تحية إجلال وشكر مستحقين للمقام السامي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، على أدوارهما الحكيمة والجهود المضنية والجبارة التي تبذلها المملكة في الحفاظ على وحدة الصف الخليجي، وحماية تماسك منظومة العمل العربي والإسلامي المشترك، فالدور السعودي يمثل حائط صد منيع أمام كافة محاولات التفتيت والاختراق الأجنبي؛ إذ لم تتوانَ المملكة يوماً عن تسخير ثقلها السياسي والاقتصادي والروحي لجمع الكلمة، ورأب الصدع، ودعم الدول العربية بما يخدم الأمن القومي العربي في مواجهة العواصف السياسية، متمسكةً بمسؤوليتها التاريخية كقائدة للمسيرة وحامية للحقوق، ومُثبِتةً للعالم أجمع أن قوة العرب تكمن في وحدتهم وتكاملهم خلف قيادة واعية تدرك أبعاد المؤامرات وتصون العهود والمواثيق الشاملة.
وأخيراً وليس آخراً، يبقى التاريخ هو الحكم العدل الذي يسجل في صفحاته بمداد من نور مواقف الكبار الذين بنوا وحموا، مثلما يسجل بدقة عواقب الإندفاع وراء الأوهام التكتيكية المنفردة التي تذروها رياح الصحراء بمجرد تغير موازين المصالح الدولية


.jpg)
.jpg)
.jpg)



.jpg)








.jpg)



.jpg)
