التصوير الميتافيزيقي في قصيدة قطر الندى للشاعر عمر بن عبد العزيز الشعشعي..

سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

التصوير الميتافيزيقي في قصيدة قطر الندى
للشاعر عمر بن عبد العزيز الشعشعي

كتبه - د/ نبيل منصور نور الدين


قطر الندى
الشاعر /
عمر بن عبدالعزيز الشعشعي 


أَقُولُ لِلنَّاسِ اُدعُو يَا مُصَلِّينَا
قُولُوا مَعِي أيُّهَا العُبَّادُ آمِينَا 

لا سَامَحَ  اللهُ  حُسَّادًا  لِفَرْحَتِنَا
إنْ جَاءَهم أُنْسُنَا قَالُوا مَجَانِينَا

مَوجٌ مِن الشُّوقِ فِي قَلبِي أُسَيّرُه
شِعْرًا وبالعَينِ عِنْوانُ المُحِبِينَا

كطَائِرِ الأَيْكِ بَعْدَ البَينِ فِي شَجَبٍ
لا يَهْفُو القَلْبُ لَو تَشْدُو المَلايينَا

قَطرُ النَّدَى ماؤهَا دَمْعًا بِأعْيُيِنَا
طُهْرًا مِن الحُبِّ مِن قَلبِ المَيَامِينَا

لا جَنَّةَ الأَرْضِ سَلْوَى إنَّهَا قَبَسٌ
مَشَاعِرُ الشَّوقِ جَمْر ٌمِن أمَانِينَا

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كَمْ نَاحَتْ ولَو نَطَقَتْ
حَمائمُ الحزنِ لا تَنْسَى المُوَالِينَا 

يَالَيتَ  شِعْرِي عَلَى العُشَّاقِ مُنْهمرٌ
قُلُوبُهُم حُلْوَةٌ مِثلُ الرّيَاحِينَا

البَرْدُ  مِنْ لَهْفَةٍ بِالقَلْبِ حَرَّتُه 
لَهُم مِن الوَجْدِ مايَكْفِي المَيَادِينَا

نَسَائِمٌ مِثلُ طِيْبِ المِسْكِ تَنْثُرَهَا
مِن فَوحِ أنْفَاسِهِم ودًا يُنَاجِيْنَا
للدلالة اللغوية تكيفها الوجداني مع الوعي إذ تقاس المدركات المبهمة مع الوعي بما يمليه الضمير وبما توحيه المفردة من إيماءات دلالية تجعل من المنطقي مألوفا في الذات والوجدان ولا يستقيم التصور مالم يكن الوحي المسترسل مكيفا مع اللغة الموحية التي يتهيأ لها نقل المبهمات الى الذات استرسالا يساوق بين المنطوق والشعور.
وإذا كان المد الإيحائي والتصورات المدركة مستقيمين في الوعي فإن المدركات المشافهة للمنطوق تكون مهيأة للتمثيل الوجداني من ناحية انها مد في الإيحاء وتصور في الذات يجعل من المرئي ملفوظا في الإدراك.
نستطيع القول إن التمثيل الإدراكي يتقمص ماهية الملفوظ ويوائم بين مدركات شتى في الوعي بينما تتهيأ الذات لتقمص الحيثيات المدركة في الضمير الكامن في النفس.
وفي وقفتنا هذه السريعة مع الشاعر عمر بن عبد العزيز الشعشعي ندرك ملمحا من ملامح التهيؤ الروحي والتقمص الوجداني في الذات حيث يعمد الشاعر في قصائده إلى إجلاء مبهمات المدارك والى الاستغراق في الشعور الذاتي من جهة انه يوائم بين المدرك واللامدرك من التعبير ويذوب المفردات بصيغها الرمزية ما يجعل من جماليات فنه موائمة وهيئة الذات إذ يتعمق الشاعر في قصائده من حيث اللغة ويمهد للآتي المبهم في مفرداته مساحة تصويرية تحيل المنطوق الى صورة محسوسة في المخيلة تجعل من التلقائي ضمني في المعرفة التعبيرية عن الروح وعلى هذا يعمد الشاعر في كثير من قصائده إلى التمثيل المدرك للوعي فيصور الشعور على أنه مساحة تعبير وتقمص للخفايا المبهمة من الروح وهو هنا يماثل بين المنطوق واللامنطوق بهيئتيهما المتباينة ما يحد من الإغراق بالتقمص جاعلا من المماثلة الروحية استرسالا للضمير الكامن في الأعماق بينما نجد في شعره تمثيلات متباينة تعمق المدلول الإيحائي وتناظر بين المألوف واللامألوف بطريقة تجعل من الضمني المدرك مجازا للتعبير وصيغا معقولة في الذات بطرق جمالية وإبداعية رائعة وبمنظور دلالي بديع كما في قصيدته (قطر الندى) التي يشافه فيها الروح ويباكر المعاني المستعصية ويكيف المدلولات الروحية وينمذج المثال بتشبيهات لا حصر لها وتقمص ذاتي بالغ في التأثير كما هوا قوله:
أَقُولُ لِلنَّاسِ اُدعُو يَا مُصَلِّينَا
قُولُوا مَعِي أيُّهَا العُبَّادُ آمِينَا 

لا سَامَحَ  اللهُ  حُسَّادًا  لِفَرْحَتِنَا
إنْ جَاءَهم أُنْسُنَا قَالُوا مَجَانِينَا

إذ يهيئ الشاعر الجماعة لقبول المعنى الذي يصيغه جاعلا بين ملفوظه المعنى المبطن استدراجا للمخيلة للحدث المهيأ طرحه وهو فعل الحساد قافزا بالمدرك الى العقل واللاعقل ما يجعل من ندائه مجازا ضمنيا للتصور يباغت به المحبين ويهيئ النفس لتقبل التمثيل المطروح للحساد بينما يستجلي في البيتين التاليين الشوق بمعناه الإدراكي والتمثيلي كماهو قوله:
مَوجٌ مِن الشُّوقِ فِي قَلبِي أُسَيّرُه
شِعْرًا وبالعَينِ عِنْوانُ المُحِبِينَا

كطَائِرِ الأَيْكِ بَعْدَ البَينِ فِي شَجَبٍ
لا يَهْفُو القَلْبُ لَو تَشْدُو المَلايينَا

إذ أن الشاعر يعمد إلى التقمص التمثيلي من خلال إيحاءات لا مرئية تناظر بين ما يعانيه القلب وبين ما تهفو اليه الروح عامدا إلى التشبيه بين الطائر وبين القلب بمعموله العاطفي فيمثل الحنين هنا تمثيلا مجازيا جاعلا من الذات استبطانا للشعور والشاعر هنا يستجلي المدرك بتمثيلاته الراقية ما بين الحساد والقلوب الشفيفة التي تحيل المعاني إلى جمال محض مدرك بالتصور بينما يقول في البيتين التاليين:
قَطرُ النَّدَى ماؤهَا دَمْعٌ بِأعْيُيِنَا
طُهْرًا مِن الحُبِّ مِن قَلبِ المَيَامِينَا

لا جَنَّةَ الأَرْضِ سَلْوَى إنَّهَا قَبَسٌ
مَشَاعِرُ الشَّوقِ جَمْر ٌمِن أمَانِينَا

إذ يشبه قطر الندى بالدمع فيشافه الطبيعة انها تحمل مدركات الحدس الوجداني للإنسان متخذا من التمثيل بجنة الأرض سياقا للولوج الى الروح مطابقا بينها وبين جمر الشوق في القلوب وهنا جمالية رائعة للمدرك التمثيلي للوعي القائم بالمعاني المحملة في ضمير الإنسان ما جعل من الشعور مهيأ للتمثيل التناظري والتقمص الإيمائي للذات من جهة أن الروح تستشرف آفاقها من المد التصويري للذات مستعيرا جنة الأرض للقلوب المليئة بالمحبة يستوطنها الشوق الذي يحيل الإحساس فيها إلى جمر تحترق به الذات فيمد الشاعر بين الروح والضمير جسرا من الألفة لكنه يدرك بالإحساس وهنا جمالية فائقة الإبداع يتمثلها الشاعر في نمذجته للحياة.
وفي البيتين التاليين يقول الشاعر:

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كَمْ نَاحَتْ ولَو نَطَقَتْ
حَمائمُ الحزنِ لا تَنْسَى المُوَالِينَا 

يَالَيتَ  شِعْرِي عَلَى العُشَّاقِ مُنْهمرٌ
قُلُوبُهُم حُلْوَةٌ مِثلُ الرّيَاحِينَا

فالشاعر هنا يوائم بين مدلول العاطفة وبين ما توحيه الروح للضمير فيهيئ مدركات الشعور لتقبل الذات المستعصية على الفهم ويوائم بينها وبين الشعور كون أحادية التمثيل تستجيب لنداءات الأعماق في السياقات المدركة مقابل تنظير الفعل من عتبة المثول للذات والروح معا والشاعر هنا يستدرج المهيأ من التمثيل ليخاطب الروح خطابا حسيا يحمل مدلول الإيماء الرمزي الذي يكيف معمولات الإدراك تكييفا تحضر معه الذات إلى مشارف تجليها وآفاق بهجتها الشيء الذي شافه المدركات ووائم بين ما هو تمثيلي وبين ما هو مستخلص من الروح من هنا جعل الشاعر من المنظور مكيفا مع الهيئة الذاتية للروح.
بينما في البيتين الأخيرين يقول الشاعر:


البَرْدُ  مِنْ لَهْفَةٍ بِالقَلْبِ حَرَّتُه 
لَهُم مِن الوَجْدِ مايَكْفِي المَيَادِينَا

نَسَائِمٌ مِثلُ طِيْبِ المِسْكِ تَنْثُرَهَا
مِن فَوحِ أنْفَاسِهِم ودًا يُنَاجِيْنَا

إذ يجعل الشاعر من الأنفاس طيبا يفوح يحمل مدلولات الخلود بالمناجاة ويثمر في الروح إيناعه ما يعمق خلود الضمير ويباهي به الروح كما إن الشاعر يعادل بين ماهو محسوس وبين ما هو مستشعر في خفايا النفس فيساوق بين شتى المعاني بمدرك تمثيلي تستجيب له الذات فتغيم بمدلولاتها على النفس البشرية مهيئة الحضور الوجداني للتمثيل المدرك للشعور ما يعني أن أحادية التكافؤ بين الذات والضمير مسترسلة في الوجدان.
وعلى هذا يمثل الشاعر محبوبته تمثيلا يحيل مدركات الشعور إلى إيحاء لا مرئي متجاوزا بها من المعنى الضمني للذات إلى مشافهة الروح مضمنا هيئتها الى معنى مستشعر في الذات جاعلا بينها وبين المعاني المحسوسة حدا في الضمير مستخلصا من الإشعارات الروحية مسافات تقيم ذاتيا في النفس جاعلا من المحسوس لا محسوس في الضمير والوجدان.


غاليه الحربي غاليه الحربي
المدير العام

المالكة ومدير عام ورئيس تحرير صحيفة شبكة الصحافة للنشر الالكتروني - مدير عام المنابر التعليمية والتربوية بالشبكة

0  163 0

الكلمات الدلالية

آخر المعجبين بالخبر

التعليقات


اكتب تعليقك هنا

اخبار مشابهة

اخبار مقترحة