موظفة ( مكروفة)

سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

موظفة ( مكروفة)

 

في الخامسة والنصف فجرًا يرن منبه الهاتف، أحمل جسدي وبالكاد ألتفت التفاتةَ مُتعبٍ منهك بنصف كتف، وبنصف عين، وأمسح ماقد سال على طرف خدي من نكد الحياة، خيارُ ( غفوة ) في هذا التوقيت مغري جدا، وبكل ثقل في أطرافي أمد يدي للهاتف النقال فلا تتحرك معلنة عجزي لاحتجازها تحت جسدي، ثم أميل وثقل الكون كله في رأسي وأمد الأخرى فلا تصل إلّا أطراف أصابعي، يسقط الهاتف وترمقه عيني بنظرتها الحاسرة ، فأعود في حالة إعياء شديدة للنوم، غفوة مدتها عشر دقائق، يُعاد فيها نفس السيناريو، فاغرة الفاه، نصف جسدي في الشرق والنصف الآخر في الغرب ، ثم أستيقظ بشرقة من ريقي، 

يرن المنبه مرة آخرى، أتكئ على ما تبقى فيَّ من ذبولِ يومٍ سابق وأعزم النهوض فتنزلق يدي لأرتطم بقارورة ماء نمت تلك الليلة وقد تركتها تشاركني وسادتي دون غطاء، في لحظة صحو من دماغي المثقل القابع في سباته قام بتذكيري بتعداد ما يجب علي إنجازه خلال ساعات اليوم، كل شيء مر أمامي في لحظة، 
انطلقتُ من سريري بعد معركة سلمية بيني وبين المنبه، تعثرت في حذائي واصطدمت بمرآتي المستندة على خزانة الملابس ، لم نسقط، أسندتها وأسندتني وكأنها تقول اثبتي أمامك يوم طويل ، في عجالة لمحت صورتي في المرآة وندمت على تلك اللمحة الغير مقصودة ، شعر منكوش ، وعينان متورمتان، هذا ليس وَجْهِي قلتها في نفسي ثم توجهت  لدورة المياه،

خمسُ دقائق وأنا واقفة أمام صنبور الماء، في حالة فقد للذاكرة ، ماذا أفعل الآن؟ مالذي نسيته ؟ توضأت وصليت ، ثم انطلقت لغرف الأبناء أنادي كل باسمه، ولكن بعد أن أسميتهم بأسماء ليست لهم ، ثواني قليلة حتى استقر لساني على أسمائهم الحقيقية، ابنتي الصغرى مستجدة في صفوف الدراسة، تحتاج لرعاية خاصة،تحمل بيدها مفتاح سيارتي وكأنه من ألعابها الخاصة، أنطلق للمطبخ لأعدَّ الفطور وأضع البيض في قدرٍ صغير، أعود لغرفتي لتجهيز ملابس الدوام، أعد قهوتي في عجالة، وأنطلق لتنفيذ المرحلة الثانية وأصرخ بأعلى صوتي دواااام

تُكرر ابنتي الكبرى نفس السيناريو الذي مررت به، عشر دقائق إضافية حتى تتمكن من إزالة اللحاف عن جسدها النحيل، وأنا واقفة أمام باب غرفتها وبيدي مشط أسود كنت أهشُّ به على شعر أختها، ما إن تنهض أطمئن وأعود أدراجي ، أعد لهم سندوتشات صغيرة ، غالبا أعود نهاية النهار وهي مكانها ورائحة الجبن تفوح منها، أتذكر أن اليوم الأول من دوامي الصباحي رُفعت لي فيه دقائق التأخير في نظام الوزارة، كانت قرصة أذن مؤلمة، لكني كنت أطبب تلك النتوآت النازفة في قلبي بابتسامة صبر مؤقتة تعقبها تكشيرة محارب لا يملك سلاح ولا ذخيرة ، لا شيء سوى الضحك في صمت، هذا اليوم يجب أن يكون مختلفًا عن الأمس، مفعمًا بالجمال، هكذا كنت أحلم

ارتديت ملابسي، ثم وضعت مكياجي ، في الحقيقة هو ليس مكياج بمعناه الحقيقي، روج باهت، وأحمر خدود غير متناسق،  غالبا أضع ظل العيون بأصبعي،فلا أهتم إن تساوت درجات اللون أم لا ، ومَنْ مِنَ النساء لازالت تضع ظل العيون أيام الدوام !؟ عجبتُ لأمري! بل في إحدى المرات ذهبت للدوام وإحدى عيني خالية من الكحل والأخرى قد ذاب كحلها مصافحا خدي معاتبا لي أن لا تفعلي ذلك مرة أخرى ، ذهبت لتفقد أبنائي  لأرى مدى جاهزيتهم، أسأل ابني هل أكلت ؟ هل أخذت المصروف؟ هل نظفت غرفتك؟ هل أخذت دواءك ؟ وأنصرف عنه دون أن أسمع إجابة، الصغرى تصرخ  أين حذائي، شنطتي ثقيلة، ثم تبدأ في سرد قصص وحكايا مرت بها في المدرسة في يومها الأول، وأنا أسمع وأهز رأسي ، أنا لا أسمع أنا فقط روبوت متحرك، لا أشعر بأي شعور .

بعد مرور ساعةٍ ونصف حان وقت توزيعهم على مدارسهم، الكل جاهز وفي أتم الاستعداد ، مفتاح سيارتي لم أجده، بحثت عنه ما يقارب الربع ساعة، حالة فقدان للذاكرة مؤقت ينسيني حتى اسمي، وجدته أخيرًا كنت قد وضعته في باب ثلاجة المطبخ حين أخرجت البيض .
هذا الصباح سيكون مميزا خرجت في وقت مبكر 
الضغط اليومي سيكون أخف وقعا علي، في طريقي أعلنت سيارتي أنها لن تكمل المسير، فلا ماء لمسح الزجاج ولا وقود، اضطررت للتوقف عند محطة البنزين الوحيدة في المنطقة، وقفت في طابور طويل من السيارات نصف ساعة كاملة انتظر، 

في عجالة توجهت للمدرسة الأولى، كانت ابنتي تشتكي طوال الطريق، عن تشديد مديرة المدرسة في  التأخر والغياب، وكيف أنها ستخصم الدرجات، ويتم توقيعها عن  التأخر في دفتر خاص، وبعد التوبيخ والتهديد ، يطلق سراح الطالبة لتتجه لفصلها وقد امتلأت خيبة ، كل هذا أصابني بمزيد من التوتر، وكره شديد لكل امرأة لا تعلم ما معنى احتياج امرأة أخرى أو لا تراعي وتقدر الظروف، ابني في المتوسطة لم يشتكِ أبدًا لا من معلميه ولا من مديره ، دائما أمور النساء معقدة ويزدن الأمور تعقيدًا وتضخيمًا بتدقيقهن على أتفه الأشياء وأبسطها مكبلات أنفسهن بقيود صنعنها من فكرهن المنغلق، فلا يرين الحياة بجمالها الأخّاذ في حسن التعامل ولين الجانب

أوصلتها لمدرستها وانطلقت بالبقية لمدارسهم وختمت مشواري بالحضور لدوامي هذا هو اليوم الثاني متأخرة تحت الخط الأحمر عشرون دقيقة أتيت وقد رفعت في نظام الوزارة لتجمع مع مرور الوقت بعدد ساعات يوم كامل ويحسم من الراتب ، 
جلست على مكتبي أتنفس الصعداء، لكني كنت بمزاج سيء، 
في ذلك اليوم لم أعد للمنزل إلا وقد أغضبت زميلاتي في العمل، وكأن بداخلي وحش كاسر ، رأيت في أعينهن عتبا شديدًا وذهول، تباً لضغوط الحياة 

حان وقت المغادرة 
سأعود بنفس الطريق وأمر بثلاث مراحل دراسية، إبتدائي ومتوسط وثانوي، 
دخلت للمنزل ورائحة البيض المحروق تعج في المكان 
نسيته على النار ، الخادمة في سباتٍ عميق 
وصنبور الماء مفتوح من الساعة الخامسة والنصف فجرًا إلى الواحدة ظهرًا..


الكاتبة / صباح الاشرم


غاليه الحربي غاليه الحربي
المدير العام

المالكة ومدير عام ورئيس تحرير صحيفة شبكة الصحافة للنشر الالكتروني - مدير عام المنابر التعليمية والتربوية بالشبكة

3  205 0

الكلمات الدلالية

آخر المعجبين بالخبر

التعليقات

النايفة

قصة قصيرة رائعة جدا تحكي حال الكثير من الأمهات المثابرات في المجتمع من اللاتي حملنا على عاتقهن مسؤولية الأم والأب مجتمعة تحياتي للكاتبة المبدعة صباح الأشرم

2022-04-25 01:10ص
1
ليلى المغربي

ليس بغريب عليك أ/ صباح الأشرم هذا الابداع والإمتاع دمتي ودام قلمك النابض

2022-04-25 10:56م
2
رحاب عبدالله

تتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات لتنظم عقد الشكر الذي تستحقيه♥️♥️

2022-05-10 04:57م
3

اكتب تعليقك هنا

اخبار مشابهة

اخبار مقترحة